|
 الحمد لله الذي مازال بالكرم معروفاً وبالإحسان موصوفاً، سبحانه خص سيدنا ومولانا محمداً بخصائص لم يفز بها أحد من العالمين، ومنحه مزايا لم ينلها قبله نبي من المرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله له الحمد والشكر حيث جعلنا خير أمة أخرجت للناس، وبعث فينا خاتم أنبيائه ورسله .. سيد الأولين والآخرين سيدنا محمداً – صلى الله عليه وآله وسلم -. الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله النبي المصطفى والحبيب المجتبى وأمين الله تعالى على وحي السماء، ورضى الله عن آله أهل الصدق والوفاء، وأصحابه أئمة الإخلاص ومن تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء في شفاعته، نسأل الله الشفاعة فهو شفيعنا (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه) اللهم شفعه فينا بحق لا إله إلا الله محمد رسول الله … وبعد … فيا أمة سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – لنا في شهر ربيع الأنور المنور الذي ولد فيه رسولنا الطاهر المطهر وقفات فيها العبر والعظات لما فيها من العطايا والهبات. وقفات عندما عبرت ثغور الزمن عن أجمل بسماتها، وتفتحت آكام البشرية عن أنضج ثمراتها، وأشرقت آفاق السماء بأضواء ثرياتها. سيدنا محمد بن عبد الله نجيب بني هاشم، وفتى قريش، وفخر كنانة وسيد العرب، وهادي العجم، فتوالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وحق الهناء، وانسكب في مسمع الدهر حداء لموكب الحضارة والإنسانية، أحلى نشيد في تاريخ الوجود
ولد الهدى فالكائنات ضيـاء وفم الزمان تبسمٌ وثنـاء الروح والملأ الملائك حولـه للدين والدنيا به بشـراء فمظاهر الفضل والجلال والعظمة والجمال تحيط بهذا المولود في كل جوانبه فهو عظيم في خلقه الجميل المنور عظيم في خلقه الكامل المطهر.
ولقد أجمعت كتب السيرة الصحاح بأصح رواياتها على حدوث خوارق وإرهاصات قبل مولده وفي ليلة مولده إن دلت على شيء إنما تدل على حدث عظيم له شأنه في الكون، وهي في تعبيرنا لها في أصدق تعبير احتفال واحتفاء بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا شك ولا جدل في هذا المعنى ، فقد روت كتب السيرة أن ليلة مولده – صلى الله عليه وآله وسلم - أضاء نور ملأ فجاج مكة حتى ظهرت قصور الروم وكنعان، وهذا النور الذي أضاء من الله سبحانه وتعالى يعبر عن نور الإسلام الذي سيملأ الكون ويعم الأرض، وهذا النور أشرق ابتهاجاً بمولده تكريماً لقدومه إعلاناً لبزوغ شمسه وإشراقها على الأرض، ثم هناك علامات وخوارق أخرى منها تصدع إيوان كسرى ملك الفرس، وسقوط اثنى عشر شرفة منه إيذاناً بانهدام دولة الكفر والطغيان، وخمود نار فارس التي كانوا يعبدونها، وغيض بحيرة ساوه وكانت معبودة من دون الله، وهذه الأحداث المرتبطة بعبادة البشر لغير الله وقعت إيذاناً ببطلانها وإعلاناً بأنه لا معبود إلا الله، فقد جاء المبشر لدين التوحيد لا إله إلا الله لا يعبد غيره ولا يقصد سواه، فقد نُكست الأصنام التي كانت تعبد حول الكعبة فما من صنم واقف إلا ونكس على رأسه وفي هذا دليل على أن الكون تطهر من الآلهة المعبودة من دون الله، وأن العبادة لله وحده. كل هذه الخوارق التي تمت في ليلة مولده – صلى الله عليه وآله وسلم – بقدرة من الله والمعنى الحقيقي لهذه الظواهر الباهرة احتفال الكون بقدرة الله بميلاد رسول الله، الأنوار تضيء، والآلهة المعبودة غير الله تنكشف ويذهب عنها ما عبدت من أجله فقد أصبحت النار رماداً والبحيرة غوراً والقصر مهدماً والأصنام منكسة والشهب في السماء تطارد الشياطين كأنها المفرقعات التي يطلقها الجيش في الاحتفالات كالصواريخ التي تحدث في الميادين. والسؤال : من الذي سخر كل هذه الأجرام أن تتحرك وأن تكون علامات وظواهر لمولده – صلى الله عليه وآله وسلم -. تعالوا بنا نفسر ذلك بما فعلناه نحن احتفالاً بمولده، كم لمبة أضأناها وكم شمعة أشعلناها ابتهاجاً بمولده – صلى الله عليه وآله وسلم – هل أضاءت ما حول ساحة المولد فقد سبقنا الله سبحانه وتعالى وأضاء فجاج مكة وما حولها بنور كشف بلاد الروم وأضاء بنوره ليلة مولده – صلى الله عليه وآله وسلم – إيذاناً وإعلاناً واحتفالاً. عجباً لمن يسمع هذا القول ويقول إن الاحتفال بالمولد بدعة وضلالة. لقد ضل عقلهم عن القدر الرفيع وضل عقلهم عن تقدير تلك الليلة المباركة التي ولد فيها النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وقد كرم الله يوم ولادة رسله ويوم الموت ويوم البعث مرتين؛ مرة بقوله ( وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً) وأخرى حكاية على لسان عيسى عليه السلام (والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا). إذن فليوم الولادة منزلة عند الله عبر عنها بقوله: (وسلام عليه يوم ولد) وماذا يعني السلام من المولى عز وجل يوم ولد وسلام الله مدد لا يحصى مداه ولا مدلوله ولا معناه. وقد أثبتت صحاح كتب الحديث التي روت عن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه كان يلازم صوم يوم الاثنين من كل أسبوع فسئل في ذلك فقال: (يوم ولدت فيه وأنزل علىّ فيه) ومعنى هذا أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – كان يحيى ذكرى مولده الشريف شكراً لله تعالى كل أسبوع مرة بالصيام. وقد ذكرت كتب السيرة النبوية أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ذبح في حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة بعدد سنين عمره الشريف.
فيا أحباب سيدنا محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – من مجموع ما ذكرت يمكن استنباط مشروعية إحياء المولد لما فيها من الذكريات النافعة وبما فيها من تلاوة القرآن والوعظ والإرشاد والسيرة العطرة والمدائح والأذكار وبما فيها من التعاون في البر وإطعام الطعام، وبما فيها من مفرحات وتقديم الأطعمة التي تشارك فيها مجموعات خيرة في البيوت للفقراء والمساكين. وفي المولد فرصة للقاءات روحية تعبر عن وحدة المسلمين وتكافلهم وتعاونهم، فكم من ليلة احتشد فيها المحبون وتصافحوا ودعوا لبعضهم البعض. أشرقت أنوار طه مثل شمس فى ضحاها هذه الدنيا نراها فى ضياء من محمـــــد |