|
نواصل نشر ( السيرة النبوية المح مدية ) لشيخنا الإمام الجعفرى - رضى الله عنه - احتفالاً بقدوم مولد خير البرية - صلى الله عليه وآله وسلم - وننشر اليوم الفصول التاسع عشر والعشرون والحادى والعشرون ، وفى هذه الفصول يتحدث شيخنا الإمام الجعفرى - رضى الله تعالى عنه - عن أخلاق سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ومشروعية التوسل به - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الله - تعالى - من الكتاب والسنة، وعن حياته - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى. ونترك القارئ الكريم ليتابع هذه السيرة العطرة من كتاب ( السيرة النبوية الجعفرية ) لشيخنا الإمام الجعفرى - رضى الله تعالى عنه - : الفصل التاسع عشر فى أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم وأما أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم فكان أكمل الناس أخلاقاً ذا صدر رحب ونفس سنية . يعفو عمن ظلمه ، ويصل من قطعه ، ويعمم بره وعطاياه . ويدرأ بالحسنة السيئة ، ويصبر على الأذية ، ولا يقابل السيئة بالسيئة بل بخيره ونداه . ولما أدمى ساقيه الشريفتين أهل الطائف بالإصابات الحجرية . استأذنته صلى الله عليه وآله وسلم الملائكة بإهلاكهم ، فقال: أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله . وعفا صلى اله عليه وآله وسلم عن أهل مكة عفواً شاملاً لم يسبق فى تاريخ الأمة العربية . وقد أثنى الله تعالى على خلقه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( وإٍنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيمٍ ) فما أعظم هذا الثناء وما أغلاه . وجاءه صلى الله عليه وآله وسلم رجل وأمسك بجيبه وشده شدة أعرابية . ثم أرسله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال: اعطنى من مال الله الذى هو ليس مالك ولا مال أبيك ولا جدك . وأعطاه صلى الله عليه وآله وسلم من الغنم ما أذهب فقره وأغناه
.وكان صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً تحت ظل شجرة وقد علق سيفه بفرع من فروعها الشوكية . وجاء رجل مشرك فأخذ السيف وأيقظه صلى الله عليه وآله وسلم وقال: من يمنعك منى يا ابن عبد الله ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : يمنعنى منك ربى الذى له الأبدية . فطار السيف من يده ، فأخذه النبى صلى الله عليه وآله وسلم وألقى المشرك على الأرض وقال له صلى الله عليه وآله وسلم : من يمنعك منى يا عدو الله ؟ فقال المشرك: يمنعنى منك حلمك يا أكرم الأمة العربية . فتركه النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال المشرك : آمنت أنك رسول الله . (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله) الفصل العشرون التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم وأما التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم فقد أجمع العلماء خلفاً وسلفاً على جوازه من غير شك ولا مرية جدلية . لورود ذلك فى القرآن العظيم فى آيات كثيرة لمن دقق النظظر وفتح مسامع قلبه فنال من الله هداه . كقوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صراطٍ الله ) فهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة للهداية الربانية . وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى البيعة كما قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) ، وقال تعالى : ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، فهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى بيان الآيات الربانية . وقال تعالى :(وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) فرضاه صلى الله عليه وآله وسلم لمن يريد أن يرحمه الله ويرضاه.وقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)، فهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى قبول التوبة ونزول الرحمة الرحمانية . وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى قبول الإسلام إلى يوم القيامة ، إذ كل من لم يقل ( وأن محمداً رسول الله ) لا يقبل الله إسلامه وبالكفر رماه. وقال تعالى: ( صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)، إذ من صلى عليه صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه صلاة ربانية . فهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى صلاة الله تعالى على المصلين على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، ولولاه صلى الله عليه وآله وسلم ما حصلت من الله الصلاة.وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى نزول الرحمة العامة إلى سائر الخلائق العلوية والسفلية . قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، وقد نال شيئاً من هذه الرحمة جبريل عليه سلام الله.وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة فى رفع العذاب عن الخلق إلى يوم القيامة . ولولاه صلى الله عليه وآله وسلم لقلبت الأرض ونزل الحاصب وجاءت الرياح المهلكة الذرية ، قال تعالى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) فجل بفكرك يا أخانا فيما كتبته لك وغيرى أقره وارتضاه. وهو الوسيلة صلى الله عليه وآله وسلم فى نزول السكينة على أهل بيعة الشجرة الرضوانية . إذ لولاه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ذلك ولا سمعناه. ومن السنة حديث الأعمى من غير شك ولا ريبة وهمية . الذى ارتضاه الحفاظ كالحافظ المنذرى ومن والاه. وأما التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم فمستحب ومرغب فيه فى الدعوات لرب البرية . فى الحياة وبعدها، لقوله تعالى : )هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) فلولا الدرجات لما قبل الله دعاء داعٍ دعاه. وهل النبى صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته نقصت درجاته ؟ فمن اعتقد ذلك فقد كفر كفر الوثنية . بل هو صلى الله عليه وآله وسلم حىٌّ عند الله تعالى بحياة تفضل الحياة الأولى ، عند كل من عرف ذلك ووعاه. وقد قال أمير المؤمنين سيدنا عمر رضى الله عنه : "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وآله وسلم " فمعناه كنا نسنتسقى به متوسلين به إليك بدرجاته عندك ومنزلته العلية . ولما امتنعت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم فى الاستسقاء قدم عمه العباس للصلاة ، وتوسل بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم فى قرابته فقال : " لقرابته من نبيك صلى الله عليه وآله وسلم " ففكر فى هذا وللا تتبع غيه وهواه . ونقل ابن تيمية أن السلف الصالح كانوا يدعون بحديث الأعمى ، وأن الإمام أحمد رضى الله عنه أمر تلميذه المروزى فى منسك له أن يتوسل بخير البرية . قال شيخنا الشنقيطى رحمه الله : " وهذا نقل صحيح من غير شك ولا اشتباه . وحديث توسل آدم به عليه الصلاة والسلام أخرجه الحاكم فى المستدرك بالأحاديث الصحيحة المروية . وغير ذلك مما جمعه الشيخ النبهانى فى كتبه ومجمعه ووفاه . والذى نقله ابن الحاج المالكى فى المدخل ، ووافقه عليه علماء الأزهر وشيخ السادة المالكية . وقد أدركت جميع علماء الأزهر يتوسلون برسول الله . ومما يدل على التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم حديث الشفاعة يوم القيامة من جميع الأمم الإنسانية . كما أخرجه الإمام البخارى وغيره ، فما أعظم قدر هذا النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأعلاه . اللهم إنا نتوجه إليك بنبيك سيدنا محمد نبى الرحمة الرحمانية . يا سيدنا يا محمد يا رسول الله . يا سيدنا يا محمد يا رسول الله . يا سيدنا يا محمد يا رسول الله . إنا نتوجه بك إلى ربنا فى أن يقضى حوائجنا وما دعونا به وما قصدناه . اللهم شفعه فينا شفاعة مقبولة مرضية . يدركنا نفعها فى حياتنا ومماتنا حيث ما كنا بفضل الله . تشفع رسول الله أنت مشفعُ وجاهك عند الله لا شك ينفعُ (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله) الفصل الحادى والعشرون فى حياته صلى الله عليه وآله وسلم بعد الموت وأما حياته صلى الله عليه وآله وسلم بعد الموت فقد أثبتها الحفاظ والعلماء بآية حياة الشهداء، وقالوا : حياته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالأولوية . وقال علماء شنقيط رحمهم الله : بل حياته صلى الله عليه وآله وسلم أرقى من حياة الشهداء، حيث أباخ الله تعالى تزويج نسائهم وحرم على المؤمنين تزوج نسائه صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك لشدة غيرته صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنه فى رقى سامٍ وإدراك وحياة . ولا عدة على نسائه رضى الله عنهن ، ولا يورث ماله وذلك يدل على كمال الحياة . كما قرر ذلك علماء الديار الشنقيطية . واعلم أن جسده صلى الله عليه وآله وسلم لا يبلى ، بل هو باقٍ محفوظ ،و نقل الزرقانى رحمه الله فى شرحه لموطأ الإمام مالك رضى الله عنه فى باب صفة المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه صلوات الله . أن العلماء قالوا فى شرح حديثه صلى الله عليه وآله وسلم : " ما من أحد يسلم علىَّ إلا ردَّ الله علىَّ روحى فأردَّ عليه السلام " أن أول واحد من أمته يسلم عليه بعد دفنه بقبره الشريف يرد الله عليه روحه فتبقى فى جسده إلى يوم مشاهدة الأحوال الأخروية . وذلك كلام طيب صحيح مطابق للواقع فما أعذابه وما أحلاه. وقد دلَّ القرآن العظيم على حفظ أجسام الأنبياء بعد الموت فى قصة سليمان عليه السلام المروية . وهو أنه قد مكث سنة متكئاً على عصا ، فلو كان عليه السلام كغيره لتحطم وتغير مرآه. وقال عليه الصلاة والسلام : " إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " رواية فى السنن الترمذية. وقد أخبر الله تعالى أنه يصلى عليه وذلك بالفعل المضارع الذى يدل على تجدد الحدث عند أهل العلوم النحوية . وأمر بالصلاة والسلام عليه إلى آخر الزمان ومنتهاه . وهل يصلى الله تعالى وملائكته والمؤمنون إلا على نبى بجسمه وروحه وحياة ثابتة زكية . فاسمع كلامى هذا يا من فتح الله مسامع قلبه إلى معرفة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأرشده ودلاه. وكيف لا يكون كذلك وهو صلى الله عليه وآله وسلم السراج المنير الذى منه تتقد السرج المطفية . وهو صلى الله عليه وآله وسلم كالشمس فإنها واحدة ولكنها ترى فى جميع البقاع بلا شكٍ ولا اشتباه . وقد ورد فى السنة الصحيحة حضور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى ليلة الإسراء وانتقالهم من قبورهم إلى بيت المقدس إلى السموات العلوية . ورأى النبى صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا موسى عليه السلام قائما عند قبره يصلى ، وهابطاً بمكة من الوادى يلبى خالقه ومولاه . وقد أجمع العلماء على أن ما ثبت للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من معجزات بعد مماتهم فهى ثابتة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الأولوية . وقد رأى صلى الله عليه وآله وسلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقظة بعد الموت فتجوز رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم كذلك ، وكثير من الصالحين قد أخبر أنه فى حال اليقظة قد شاهده ورآه. وأخرج البخارى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من رآنى فى النوم فسيرانى فى اليقظة " أى فى الدنيا يقظة ، كما نقل ذلك السيوطى وغيره من علماء الملة المرضية ، وقد ورد أيضاً أن سلام المسلم يبلغه صلى الله عليه وآله وسلم من أبعد بلد وأقصاه . فلا تكن غافلاً يا أخانا فى الله تعالى عما أشرت به إليك من الإشارات الذوقية . مما أشرت به إليك من درر القول المدلل بصحيح السند وأقواه . فلعلك أن تحظى بشهود روحك عند ذكر مولده صلى الله عليه وآله وسلم بالمشاهدة القلبية التى هى غاية المتشوقين إلى لمحات لمعان جمال نوره صلى الله عليه وآله وسلم وسناه. (اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله) |