وأما معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم فكثيرة مشهورة نقلها أصحابه رضى الله عنهم ورأوها بالأعين البصرية . منها: أن حجراً بمكة كان يسلم عليه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: السلام عليك يا رسول الله .
وقد طلب المشركون منه صلى الله عليه وآله وسلم انشقاق القمر فانشق إلى فرقتين ، وقد شاهدت الفئة الكفرية . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : اشهدوا . اشهدوا ، فقال الكفار: سحر محمدُ القمر! نقل ذلك البخارى ورواه . وكلام الضب معه صلى الله عليه وآله وسلم باللغة العربية . وشكوى البعير وسجوده له صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد سمع صلى الله عليه وآله وسلم تظلمه وشكواه . وقد نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وآله وسلم فأروى جيش المهاجرين والفئة الأنصارية . ولما بصق صلى الله عليه وآله وسلم فى طعام جابر وهو صاع من شعير وعناق صغيرة بارك الله تعالى فيه فشبع الجيش، وبقى الطعام كما هو ، حكى ذلك جابر بن عبد الله . ودعا صلى الله عليه وآله وسلم الأشجار فجاءت إليه وسترته كأنها حجرة مبنية . وظللته صلى الله عليه وآله وسلم الغمامة فى الحر وهى تتبعه فى سيره وممشاه . وراودته الجبال الشم أن تكون له ذهباً وعرضت عليه صلى الله عليه وآله وسلم الكنوز الأرضية . فزهد فيها صلى الله عليه وآله وسلم وأعرض عنها فشرح الله صدره وأغناه . والجذع حن له صلى الله عليه وآله وسلم شوقاً إلى خطبه الجمعية . ورد صلى الله عليه وآله وسلم عين قتادة فعادت أحسن مما كانت ، وإذا رمدت العين الأخرى صرف الله تعالى عنها الرمد وأذاه .
ورد ذراع بن عفراء فعاد سليماً ببركة ريقه صلى الله عليه وآله وسلم الذى هو دواء من العلل الحسية والمعنوية . وأعطى صلى الله عليه وآله وسلم لعكاشة رضى الله تعالى عنه عرجوناً فعاد سيفاً صلتاً يهتز فى يمناه . وتفل فى عينى سيدنا على رضى الله تعالى عنه وكرم الله وجهه ، فذهب الرمد وشفاه الله تعالى بالبركة المحمدية . وحكى الدميرى فى حرف الظاء أن الغزالة خاطبته صلى الله عليه وآله وسلم وذكر الحديث بطرق مروية . وبارك صلى الله عليه وآله وسلم لأبى هريرة جراب تمر ، فمكث سنين يأكل منه وما أفناه . وتفل صلى الله عليه وآله وسلم فى الماء المالح فصار عذباً كالمياه النيلية . وأشبع صلى الله عليه وآله وسلم أهل الصفة وهم يزيدون عن السبعين من قدح لبن وشبع أبو هريرة رضى الله عنه حتى قال: والله لا أجد فيها موضع مذقة يا رسول الله . ولان الحجر تحت قدميه الشريفتين كأنه طينة لازبة طرية . وإذا مشى صلى الله عليه وآله وسلم على الرمل لا تغوص فيه قدماه . وكم أبرأت وصباً باللمس راحته صلى الله عليه وآله وسلم ، وريقه ، ودعواته التعوذية . فكم من مريض ببركة لمسه وريقه صلى الله عليه وآله وسلم عافاه الله وشفاه .
ومن معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم أن صوته يسمع من بعد ويسمعه كل من قصده صلى الله عليه وآله وسلم بكلماته الحكمية . ذكر ذلك البيهقى رحمه الله فى دلائل النبوة وحكاه .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يفوح منه طيب أطيب من الطيب ويعلوه نور أضوأ من الشمس والأنوار القمرية . ولا يزال صلى الله عليه وآله وسلم كذلك حتى الآن ،ويا سعد من شم طيبه صلى الله عليه وآله وسلم وأبصره بعينى قلبه ورآه . لا سيما عند وقوفه تجاه الروضة الشريفة النجدية الزكية . وزاره صلى الله عليه وآله وسلم بروحه وقلبه . وهذه يا أخانا إشارة لمن عرف كلامى هذا ووعاه.
(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)
الفصل الثالث والعشرون
فى محبته صلى الله عليه وآله وسلم
واعلم أنه لا يؤمن أحد حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليه من نفسه وولده ووالده وسائر الخليقة الإنسانية . إذ محبته هى محبة الله تعالى ، وطاعته هى طاعة الله تعالى ، ولا تغفل عن صفى الله تعالى ومجتباه.
ومن أدلة محبته صلى الله عليه وآله وسلم كثرة الصلاة والسلام عليه فى البكرة والعشية . وزيارة روضته الشريفة التى ما زارها مؤمن إلا انشرح صدره ، وفرح قلبه عندما يقول: "السلام عليك يا سيدى يا رسول الله".
ومن محبته صلى الله عليه وآله وسلم محبة أهل بيته رضى الله عنهم ، وهم العترة الطاهرة النبوية . ومحبة أصحابه الأئمة الهداة . وظيارة مقابرهم لأن زيارة المقابر سنة قولية وفعلية . وقد زار النبى صلى الله عليه وآله وسلم أهل البقيع وشهداء بدر وعمه حمزة سيد الشهداء رضى الله عنه كما رويناه.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يزور شهداء بدر فى كل عام مرة مسافراً من المدينة إلى بدر ، ذكر ذلك ابن سيد الناس فى سيرته النبوية . وشد الرحال إلى زيارة النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وزيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً سنة، لأن ما وصل إلى السنة فهو سنة كما بينه النووى وحكاه.
وأما حديث " لا تشد الرحال " فوارد فى بيان فضل المساجد وليس للنهى عن الزيارة ، كما قرره أهل العلوم الأزهرية . ولفظ " لا تشد الرحال " خرج مخرج الغالب؛ إذ المنهى عنه مطلق الانتقال من مسجد إلى مسجد كما فهمناه . وعليك يا أخانا فى الله تعالى بزيارة النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وزيارة أهل بيته رضى الله عنهم ، والصحابة ، والصالحين ، أولى الدرجات العلية . فإن كل من زارهم وسلم عليهم رأوه وردوا سلامه ، فيا سعد من سلم عليهم بقلب سليم ، ويا بشراه . لا سيما الإمام أبى عبد الله الحسين ومن معه بالديار المصرية . فزرهم بروحك وقلبك، واعلم أن الزيارة بالأرواح لا بالأشباح يا عبد الله.
(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)
الفصل الرابع والعشرون
فى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم فى روضته الشريفة
وأما زيارته صلى الله عليه وآله وسلم فى روضته الشريفة فقد أوجب ذلك بعض علماء الأمة الإسلامية . وقيل: سنة ، وهذا القول كل من الأئمة الأربعة قاله وارتضاه.
وقد ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم يرد السلام على من سلم عليه عند الروضة الشريفة فيالها من مزية . ويشفع صلى الله عليه وآله وسلم لكل من زاره شفاعة تدخل صاحبها الجنة ، وينال من الخلد أعلاه . ويكون عند ذلك فرحاً مسروراً
مهجتى قد نلت كـــــــــــل الأرب هذه أنــــــــــوار طه العربى
هذه أنـــــــــــــــــــــواره قد ظهرت وبدت من خلف تلك الحجب
أبشرى يا نفس هذا المصطفى خاتـــــــم الرسل خيار العرب
يــــــــــــا رسول الله إنى مذنب ومن الجود قبـــــول المذنب
وأن من زاره صلى الله عليه وآله وسلم يكسى حللاً من النور مطرزة بالأنوار الجلالية . ويشرب شراب العارفين فتستنير روحه حتى يعرف من وقف بين يديه ومن أكرمه وسقاه . وقد قال العلماء : ما وصل إلى السنة فهو سنة ، فالمشى أو شد الرحل إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم سنة فعلية . أى يثاب فاعلها ثواب السنة لأنه صلى الله عليه وآله وسلم زار المقابر ، وأمر بزيارتها ، فهى سنة قولية فعلية . فيا سعد من أحيا سنة رسول الله.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم :"ما بين منبرى وبيت عائشة روضة من رياض الجنة" وقد قال شراح البخارى :"هى روضة حقيقة " . فهل لك يا أخانا فى الله تعالى أن تصلى فى الجنة فتكون ممن أحبه ربه وحباه .
وقد تشرف مسجده صلى الله عليه وآله وسلم بنسبته إليه فصارت الصلاة فيه بألف صلاة سواء كانت فرضية أو نفلية . "ومن صلى فى مسجده صلى الله عليه وآله وسلم أربعين صلاة كتب الله له براءة من العذاب ومن النفاق ومن النار" أخرجه الإمام أحمد ورواه.
ولولاه صلى الله عليه وآله وسلم لكان مسجده كبقية المساجد بلا فضل ولا مزية . ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من العرش والكرسى والكعبة وجميع المساجد ومن نعيم الجنة وما حواه.
ويسمع السلام ويرده فلا تكن شاكَّاً فى ذلك فتقع فى عقيدة الجاهلية . لأنهم يقولون الميت إذا مات لا يسمع ولا يبصر ، ولا يصل إليه ثواب، ولا يبعث ويصير تراباً وهذه نهايته ومنتهاه.
وإذا دخلت مسجده صلى الله عليه وآله وسلم أحس قلبك بزيادة الإيمان والطمأنينة ، لا سيما عند مواجهته وإلقاء التحية . وكم من محب قد علاه النور وفاضت من شد الفرح بالدموع عيناه.
فيالها من ساعة كلما ذكرتها الروح تكاد تطير من عالم الجسمانية . وتتمنى أن تكون بالمدينة تجاه الروضة الشريفة فى مسجد رسول الله . وقد أخرج الحافظ السيوطى رحمه الله بسنده أن السيد أحمد الرفاعى رضى الله تعالى عنه لما زار النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأسمعه بيتين من الشعر يدلان على علو روحه التقية . أخرج له صلى الله عليه وآله وسلم يده الشريفة ،فقبلها والناس ينظرون وما قبلها أحد سواه ، والبيتان هما:
فى حالة البعد روحى كنت أرسلها تقبــــــل الأرض عنى وهى نائبتى
وهذه دولـــــة الأشباح قـــد حضرت فامدد يمينك قد تحظى بها شفتى
وقال سيدى ابن السنوسى رضى الله تعالى عنه : لم يكن لشيخى السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه معول على أحد من الخلق فى أول أمره وأوسطه وآخره إلا على خير البرية . وقد أخبر السيد ابن إدريس رضى الله تعالى عنه بأنه تلقى جميع أوراده يقظة عن سيدنا رسول الله . وسأل النبى صلى الله عليه وآله وسلم أن يتولى تربية الآخذين لطريقته الأحمدية . فقبل منه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، وكان رضى الله تعالى عنه يقول : حولناكم إلى من هو خير منا ، فيا سعد من أخذ طريقه وتلا ورده ويا بشراه.
وكان السيد محمد عثمان الميرغنى يسلم على النبى صلى الله عليه وآله وسلم فى الصلاة وهو فى البلاد الحبشية . فيسمع الرد منه صلى الله عليه وآله وسلم وتتشرف به أذناه .
وقال سيدى ابن السنوسى رضى الله عنه مرة للنبى صلى الله عليه وآله وسلم : أين سيدنا أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه؟ فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم : هو مع شيخك الشفاء . أى ابن إدريس ذى العلوم اللدنية .
وكان السيوطى رحمه الله يتذاكر مع النبى صلى الله عليه وآله وسلم الحديث يقظة كما ذكر ذلك كثير من العلماء الأجلاء وحكاه.
وقد بشر سيدى أحمد رضى الله عنه الآخذين طريقه برؤيته صلى الله عليه وآله وسلم فى اليقظة وفى المنام ، وقد ذكر ذلك فى الصلاة العظيمية . وقد حصل ذلك لكثير منهم لا سيما للمكثرين للصلاة العظيمية ، والصلوات الأربع عشرة ، فأكثر كما أكثروا حتى تشاهد خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم وتلقاه.
(اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد خير البرية . وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)